الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
34
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يناكده قوله : أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ إلّا على تأويلات بعيدة . وظاهر العطف يقتضي : أنّ تمام النعمة منّة أخرى غير إكمال الدين ، وهي نعمة النصر ، والأخوّة ، وما نالوه من المغانم ، ومن جملتها إكمال الدين ، فهو عطف عامّ على خاصّ . وجوّزوا أن يكون المراد من النعمة الدّين ، وإتمامها هو إكمال الدين ، فيكون مفاد الجملتين واحدا ، ويكون العطف لمجرّد المغايرة في صفات الذات ، ليفيد أنّ الدين نعمة وأنّ إكماله إتمام للنعمة ؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفرّاء في « معاني القرآن » : إلى الملك القرم وابن الهما * م وليث الكتيبة في المزدحم وقوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً الرضى بالشيء الرّكون إليه وعدم النفرة منه ، ويقابله السخط : فقد يرضى أحد شيئا لنفسه فيقول : رضيت بكذا ، وقد يرضى شيئا لغيره ، فهو بمعنى اختياره له ، واعتقاده مناسبته له ، فيعدّى باللام : للدلالة على أنّ رضاه لأجل غيره ، كما تقول : اعتذرت له . وفي الحديث « إنّ اللّه يرضى لكم ثلاثا » ، وكذلك هنا ، فلذلك ذكر قوله : لَكُمْ وعدّي رَضِيتُ إلى الإسلام بدون الباء . وظاهر تناسق المعطوفات : أنّ جملة رَضِيتُ معطوفة على الجملتين اللتين قبلها ، وأنّ تعلّق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين ، فيكون المعنى : ورضيت لكم الإسلام دينا اليوم . وإذ قد كان رضي الإسلام دينا للمسلمين ثابتا في علم اللّه ذلك اليوم وقبله ، تعيّن التأويل في تعليق ذلك الظرف ب رَضِيتُ ؛ فتأوّله صاحب « الكشاف » بأنّ المعنى : آذنتكم بذلك في هذا اليوم ، أي أعلمتكم : يعني أي هذا التأويل مستفاد من قوله الْيَوْمَ ، لأنّ الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك ، والإيذان به ، لا حصول رضى اللّه به دينا لهم يومئذ ، لأنّ الرضى به حاصل من قبل ، كما دلّت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية . فليس المراد أنّ « رضيت » مجاز في معنى « أذنت » لعدم استقامة ذلك : لأنّه يزول منه معنى اختيار الإسلام لهم ، وهو المقصود ، ولأنّه لا يصلح للتعدّي إلى قوله : الْإِسْلامَ . وإذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من لوازم معناه بالقرينة المعيّنة ، فيكون من الكناية في التركيب . ولو شاء أحد أن يجعل هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة ، فكما استعمل الخبر كثيرا في الدلالة على كون المخبر عالما به ، استعمل هنا في الدلالة على الإعلام وإعلانه . وقد يدلّ قوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً على أنّ هذا الدين دين أبدي : لأنّ